4 - 2 - 2026, 12:05 PM
|
| |
تستقبل ضيفاً عزيز إن الأمة الإسلامية جمعاء القلوب في الأيام القليلة القادمة تستقبل ضيفاً عزيزا ووافداً كريما تتشوّف إلى مجيئه وتتطلع النفوس إلى قدومه ؛ إنه ضيفٌ حبيبٌ على قلوب المؤمنين عزيزٌ على نفوسهم، يباشرون بمجيئه ويهنئ الفريق بعضا بقدومه، وكلهم يرجو أن يبلُغَ هذا الضيف وأن يُحَصِّل ما فيه من خير وبركة؛ شهر رمضان المبارك شهر الخيرات والبركات ، شهر الطاعات والقريبات ، شهر الصيام الفعال وتلاوة القرآن ، شهر الذكر والاستغفار والدعاء والمناجاة ، شهر الجود والسخاء والجهد والعطاء والإحسان ، شهرٌتت خيراته وتنوعت بركاته وعظمت الربح فيه ، ذلكم الشهر العظيم المبارك الذي خصه الله جلّ ولا بميزات كريمة وخصائص جيدة ومناقب جمّة تميزه عن سائر الشهور .
وقد كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بمقدم هذا الشهر الكريم ويبين لهم خصائصه وفضائله ومناقبه وييسْتَحثَّهم على الجد والاجتهاد فيه بطاعة الله جلّ ولا فيه بما يرضيه، سجل في المسند للإمام أحمد بإسناد جيد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « هذا شهر رمضان قد جاءكم فيه تفتح أبواب الجنة وتغلَّق أبواب وتصفى الشياطين » ، وثبت في سنن الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ وَفُتِّحَتْ. أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ وَيُنَادِي مُنَادٍ يا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَة » .
والأحاديث الدالة على فضل هذا الشهر والعظيم المستثمر وكريم منزلته عند الله عدد كبير لا تستقصى، فالواجب أن نفرح غاية الفرح وأن نسعد غاية السعادة بإقبال هذا الشهر الكريم بخيره الوافرة وميزاته مميزة { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا. يَجْمَعُونَ } [يونس:58] ، وأن تتعاطف معه ، وأن نرعى مكانته ، وأننا صالحين وفادته وضيافته.
إن الفرح بقدوم هذا الشهر يعرف فضله ومكانته لمن أعظم الأمور المعينة على الجدية والجهد فيه، ولم يضيّع كثير من الناس الطاعة في هذا الشهر الكريم والاحتفال على الله جلّ ولا إلا من جهل منهم بقيمته ومكانته، وإلا لو عرف هذا المسلم الشهر حقّ وعرف ومكانته لتهيأأحسن التهيؤ واستعد له أطيب تهيؤ واستعد له أطيب، ولبذل جهده وجهده واجتهاده في توسيع نطاق طاعة الله. على الوجه الذي يرضي الرب تبارك وتعالى.
والسؤال الذي يؤكد نفسه في هذه الأيام ؛ كيف نستقبل هذا الشهر الكريم ؟ كيف انتهى هذا الموسم العظيم ؟ كيف نستعد للشهر المبارك ؟
وليس استقبال هذا الشهر بتبادل باقات الورد والمطاعم ، ولا بإلقاء الأناشيد والأراجيز ، ولا بتهيئة الملاعب والصالات ، بجمْع صنوف أنواع المطاعم والمأكولات ؛ إن التهيّؤ لهذا الشهر الكريم تهيّؤٌ للطاعة، واستعدادٌ للعبادة، وإقبالٌ صادق على الله جلّ وعلا، وتوبة نصوح من كل ذنب براءة .
في موسم رمضان فرصةٌ للإقبال على الله والتوبة من الذنوب، إن من يتأمل حاله - وهذا أمر يتعلق بكل واحد منا - يجد أن تقصيره عظيم وتفريطه في جنب الله كبير، يقول صلى الله عليه وسلم : « كُلُّ بَنِي آَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ » ؛ فالذنوب كثيرة والقصير وصل وأمامنا موسمٌ عظيم للتوبة إلى الله جلّ ولا .
اذا لم دومن النفوس في هذا الموسم الكريم المبارك للتوبة إلى الله والندم على فعل الذنوب فمتى جرمى !! ولذلك صحَّ في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ » رواه الترمذي وأحمد، وذلك لأنه موسم عظيم للتوبة ؛ كرم القلوب فيه للتوبة إلى الله والإنابة إليه والإقبال على طاعته جلّ ولا .
وإن مما يستقبل به هذا الشّهر الكريم الدعاء الصادق ، والصلة الحسنة بالله ، والتجاء المحدودة إلا أن سبحانه يعين العبد على طاعة الله في هذا الشهر الفاضل ، فالعبد لا يستطيع له القيام بالطاعة ويمكنه أن يتقنها على وجهها إلا إذا أعانه الله ، فـ « لَوْلَا اللَّهُ مَا آهْتَدَيْنَا وَلَا صُمْنَا وَلَا صَلَّيْنَا » ؛ ولذلك على المؤمنين أن يُقْبِلوا على الله جلّ ولا نؤمّن ومؤمّنين وراجين ومخبين يرجون رحمته ويطلبون مدده وعونه أن ييسر لهم صيام رمضان وأن يعينهم على صلاةه وأن يكتب لهم الخير والبركة فيه وأن يجعلهم من عتقائه من النار، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وما شاء الله كان ولا يمكن.
وإذا مما يستقبل به شهر رمضان أن يتأمل المسلم في خصائص هذا الشهر وميزاته وفضائله وبركاته ليعرف قدر هذا الشهر ومكانته وليتعلم أيضًا ما يجب أن يكون عليه في هذا الشهر من صيامٍ وقيام ويستذكر ما يختص به من اللاعبين؛ ويتأمل في فوائد وفوائده وما فيه من عبر ودروس وعظاتٍ ويرى، ويتم أمّل في فضل رمضان وجهاده الله جلّ وعلا للقائمين فيه من أجورٍ كبير وفضلَ جمة حفظه صحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « مَنْ صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ » .
وإن مما أدى إلى شهر رمضان المبارك أن يجاهد الإنسان نفسه بإصلاح قلبه وطرح ما فيه من غلٍ أو حقدٍ أو حسدٍ أو سلم ضينةٍ أو غير ذلك، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: « صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ » ؛ إن في النهاية وضغائن وأحقاد ليؤكد هذا المواسم المباركة متى تكون فرصة سانحة ومناسبة كريمة لطرد ما في القلب من غل أو حق أو حسد، يقول عليه الصلاة والسلام : « لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ». وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا » ، إن دخول رمضان فرصةٌ مباركة لتصفية النفوس وتنقية القلوب واجتماع الكلمة على طاعة الله جلّ وعلا ذلك يقبِل المسلمون جميعهم مطيعين لله مقبلين على عبادته وطاعته مبتعدين عن كل ما يخطه وياباه سبحانه .
آذن الله جلّ ولا أن يبلِّغنا أجمعين شهر رمضان، وأن يعيننا فيه على الصيام، وأن يصلح ذات بيننا، وأن يؤلف بين قلوبنا، وأن يهدينا سبل السلام، وأن يخرجنا من الظلمات إلى النور، وأن يجعلنا من عباده المتقين وأوليائه المقربين الذين لا يأكلون عليهم ولا هم يحزنون.
د . عبد الرزاق البدر | |
|
|
|
|